خريطة الموقع
الثلاثاء 7 سبتمبر 2010م



المقالات
مقالات متنوعة
حنين إلى الماضي

عزيزة المانع

الحنين إلى الماضي خصلة إنسانية يشترك فيها البشر في كل مكان، ويتزايد ظهوره عليهم مع التقدم في السن، ربما لتزايد مخزون الكبار من الذكريات وارتباط ذلك في أذهانهم بأحداث وصور وشخصيات، بعضها قد يكون طوى أهلها الموت فما عادوا هناك، وبعضها قد يكون تلاشى واختفت أشكاله في الحياة الحديثة فما عاد يعرف له وجود.
يوم الخميس الماضي شعرت بالحنين يتجلى في صدري في أقوى صوره، وذلك بعد أن قمت ضمن مجموعة من السيدات بزيارة ثقافية لمدينتي شقراء وأشيقر في محافظة الوشم، بهدف استكشاف المدينتين واستلهام التاريخ. هناك زرنا المدينة القديمة فكانت زيارتها مثارا لكثير من مشاعر الحنين إلى الماضي، ورغم أني لم أعش هناك، إلا أن مظاهر الماضي بعبقه المجيش للخيال تولد في النفس متعة في تأمل حياة الأجداد، بصرف النظر عن كون حياتهم أكثر هناءة أو أقل.
حين وقفت أتأمل غرفة العروس في (بيت التراث) في أشيقر بما كانت تحمله من أثاث وزينة وبساطة متناهية، طافت في ذهني صور منوعة للحياة اليومية آنذاك مثل كيفية تفاعل تلك العروس مع الزوج وأهله، أو المسؤوليات التي كانت مسندة إليها، أو لحظات الولادة التي ربما كانت تتم على الفراش نفسه المبسوط في تلك الغرفة. ولم يخطر ببالي التفكير في إن كانت تلك العروس سعيدة أو شقية بزواجها، أو إن كانت الزوجة الأولى أو مكملة للنصاب الرباعي، أو إن كان زوجها مقاربا لها أو لجدها في السن؟ أو هل هي راضية بهذا الزواج فرحة به، أم أن قلبها كان في أسر رجل آخر غيره وما كان لها أن تبوح بذلك أو تلمح إليه؟ مثل هذه الأفكار، التي ترتبط بالمشاعر ويتوقف عليها إحساس الإنسان بالهناء أو عدمه، لم تطف ببالي، ما طاف به هو تخيل الشكل الظاهر والتأمل العام في ما يشترك فيه الناس كلهم من شؤون الحياة.
أعجبتني كثيرا فكرة الاحتفاظ بالمدينة القديمة في شكلها الأصلي، بطرقاتها وبيوتها وأسواقها، فهي حقا تختلف تماما في شكلها عن شكل المدن المعاصرة. المدينة مبنية أقرب إلى الشكل الدائري ومن يتجول في داخلها يسير في خطوط شبه دائرية، ومن أكثر الأشياء التي لفتت نظري وجود ممرات ضيقة مسقوفة تؤدي إلى مداخل البيوت وتتسم بكونها توفر الظل والبرودة للمارين، وتنتهي في طرفيها بساحات شبه دائرية مكشوفة تسمى (وسعة) أشبه بالميادين الفسيحة في المدن الحديثة، وكانت تلك الوسعات تستعمل لتجمع أبناء الحي في الأعياد والمناسبات العامة. ويمكن القول إن تقارب أبواب البيوت وتلاصقها وضيق الممرات وتقسيم شكل أحياء المدينة، كله مما يعين على التقارب بين السكان. المدينة صغيرة توحي بالحميمية، فالذي يتجول داخلها من سكان المدن الكبرى يشعر كأنه يتجول داخل بيت فسيح وليس في طريق عام.
كان مقال أمس يتحدث عن مدينتي شقراء وأشيقر، واليوم سنكمل الحديث عن وصف مدينة أشيقر القديمة.
مما يميز هذه المدينة، تصميم بيوتها الطينية التي كان يلحق بها مجلس منفصل يستقبل فيه رب البيت زواره من الرجال يسمى (القهوة) وله باب صغير على الطريق العام بجوار باب البيت الكبير، ويسمى الباب الصغير الذي يدخل منه الرجال (باب القهوة) والباب الكبير الذي يدخل منه النساء يسمى (باب الدار)، وقد استغل الأستاذ حمد الضويان، الذي كان يقوم بالشرح التاريخي والتعريف بالمدينة، هذه التسميات فعلق على ذلك مفتخرا بأن ثقافة أشيقر لم يكن فيها مسميات (باب الحريم) و(باب الرجال) ولم تكن تجعل الباب الكبير لدخول الرجال والصغير للنساء، وأن ذلك كله يدل على أن أهل أشيقر كانوا لا يعرفون التمييز النوعي في ثقافتهم وأنهم كانوا (نسويين) من قبل ظهور الحركة النسوية!.
في ذلك المجلس كان رب البيت يجلس مع زواره ويعد لهم القهوة بنفسه حيث كان إعداد القهوة مسؤولية الرجال، مرة أخرى يعلق على ذلك الأستاذ حمد الضويان بقوله: «إن المرة كانت معززة مكرمة، وكان الرجال حريصين على عدم زيادة أعباء النساء عند تكليفهن بإعداد القهوة لضيوفهم، لذلك كان الرجال هم الذين يعدونها بأنفسهم رأفة بنسائهم وتخفيفا عنهن أو تدليلا لهن، وهو ما يدل على رقة أهل أشيقر في تعاملهم مع المرأة».
وقد صدقنا قوله وحسدنا بنات أشيقر على رجالهم، لكنا ما لبثنا أن أدركنا حقيقة التدليل الغائبة، فقد ذكر مرشدنا أثناء شرحه لكيفية إعداد القهوة بالمجلس، أن القهوة والهيل كانا يوضعان في مخزن صغير في المجلس قرب الوجار ويقفل عليهما رب البيت ويحتفظ بالمفتاح عنده خشية أن تصل إليهما أيدي النساء فيقضين عليهما بإسرافهن المعهود، وهنا أدركنا سر الرقة الأشيقرية، ففي ذلك الوقت كان الشح والغلاء في القهوة والهيل، يفرض على رجال أشيقر تولي إعداد القهوة بأنفسهم خشية أن تشاركهم نساؤهم في استهلاكها!.
مما يستحق التحية والتقدير هو ذلك الجهد الذي يبذله أبناء المدينة المخلصون للمحافظة على شكل مدينتهم المسقوفة، تحيط بها بساتين النخيل وآبار الماء، فتنقلك في لحظات إلى عمق التاريخ، إلا أني وجدت مؤسفا أن تكون تلك البساتين مهملة لا تلقى من يعنى بها وكان حقها الإحياء لتضفي على المكان حياة وتزيل عنه وحشة الهجر، فضلا عن إمكان استغلال البساتين بعد إحيائها للتنزه أو قضاء عطلة نهاية الأسبوع فيها.
وفي ظني أن هيئة السياحة يمكن أن تضيف بعض اللمسات التي تجعل المدينة جاذبة للسياحة كإنشاء مطاعم صغيرة أو مقاهٍ، ومثل تأثيث بعض البيوت بالطريقة القديمة التي كانت سائدة في الفترة التي بنيت فيها، وتأجيرها لقضاء ليلة أو ليلتين لمن أراد أن يعيش الحياة القديمة، فيجرب الشرب من الأزيار والنوم على الأرض والأكل على سفرة الخوص... إلخ، وأظنها ستكون تجربة مثيرة بالنسبة للشباب اللذين لم يخبروا مثل هذا النوع من الحياة.
نشر في عكاظ

نشر بتاريخ 05-11-2009  


أضف تقييمك

التقييم: 7.35/10 (47 صوت)


 


جديد مكتبة الصور




ارسل لنا خبر
أرسل للموقع خبر
ستتم مراجعة الأخبار المرسلة قبل النشر



تسجيل الدخول للمنتدى

إسم المستخدم :

كلمة المرور :

تسجيل عضو جديد


Powered byبرنامج الموقع الشامل انفنتيv2.0.5
Copyright © dciwww.com
Copyright © 2008 www.shaqratoday.com - All rights reserved


الصور|المقالات|البطاقات|الجوال|الأخبار|الفيديو|الصوتيات|المنتديات|الرئيسية